فخر الدين الرازي
98
تفسير الرازي
الحقوق لأجل الرياء والسمعة ، بل لمحض أمر الله تعالى . قوله تعالى * ( الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ باِلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي : * ( بالبخل ) * بفتح الباء والخاء ، وفي الحديد مثله ، وهي لغة الأنصار ، والباقون * ( بالبخل ) * بضم الباء والخاء وهي اللغة العالية . المسألة الثانية : الذين يبخلون : بدل من قوله : * ( من كان مختالا فخورا ) * والمعنى : ان الله لا يحب من كان مختالا فخورا ولا يحب الذين يبخلون ، أو نصب على الذم . ويجوز أن يكون رفعا على الذم ، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف كأنه قيل : الذين يبخلون ويفعلون ويصنعون : أحقاء بكل ملامة . المسألة الثالثة : قال الواحدي : البخل فيه أربع اللغات : البخل . مثل القفل ، والبخل مثل الكرم ، والبخل مثل الفقر ، والبخل بضمتين . ذكره المبرد ، وهو في كلام العرب عبارة عن منع الاحسان ، وفي الشريعة منع الواجب . المسألة الرابعة : قال ابن عباس : انهم اليهود ، بخلوا أن يعترفوا بما عرفوا من نعت محمد عليه الصلاة والسلام وصفته في التوراة ، وأمروا قومهم أيضا بالكتمان * ( ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ) * يعني من العلم بما في كتابهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم * ( واعتدنا ) * في الآخرة لليهود * ( عذابا مهينا ) * واحتج من نصر هذا القول : بأن ذكر الكافر في آخر الآية يدل على أن المراد بأولها الكافر . وقال آخرون : المراد منه البخل بالمال ، لأنه تعالى ذكره عقيب الآية التي أوجب فيها رعاية حقوق الناس بالمال ، فإنه قال : * ( وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل ) * ( النساء : 36 ) ومعلوم أن الاحسان إلى هؤلاء إنما يكون بالمال ، ثم ذم المعرضين عن هذا الاحسان فقال : * ( ان الله لا يحب من كان مختالا فخورا ) * ( النساء : 36 ) ثم عطف عليه * ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ) * فوجب أن يكون هذا البخل بخلا